ملا محمد مهدي النراقي

389

انيس المجتهدين في علم الأصول

وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها « 1 » . وقوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ « 2 » . وقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ « 3 » ، ووجه الاحتجاج بها ظاهر . ولنا : حكم العقل بقبح التكليف من غير بيان ؛ لاستلزامه تكليف ما لا يطاق ، والإجماع المعلوم بالتتبّع ، ونقل غير واحد من أجلّة الأصحاب « 4 » . قال المحقّق : إنّ أهل الشرائع كافّة لا يخطّئون من بادر إلى تناول شيء من المشتهيات ، سواء علم الإذن فيها من الشرع أو لم يعلم ، ولا يوجبون عليه عند تناول شيء من المآكل أن يعلم التنصيص على إباحته ، ويعذرونه في كثير من المحرّمات إذا تناولها من غير علم ، ولو كانت محظورة لأسرعوا إلى تخطئته حتّى يعلم الإذن « 5 » . فإن قلت : مقتضى هذه الأدلّة أنّه لا سبيل للعقل إلى إدراك الأحكام الشرعيّة ، وهذا ينافي ما اخترت فيما سبق « 6 » من استقلال العقل في إدراك الوجوب والحرمة العقليّين ، واستلزامهما للوجوب والحرمة الشرعيّين . قلت : قد سبق « 7 » منّا أنّ أمثال هذه الأدلّة لا تفيد أكثر من أنّه لا حكم للعقل فيما لا يقتضي فيه بحسن وقبح ، وهو محلّ الخلاف . احتجّ المتوقّف بالأخبار الحاصرة بين أقسام ثلاثة : [ الأولى : ] الدالّة على التثليث « 8 » ولزوم الكفّ والتثبّت عند الشبهة « 9 » . و [ الثانية : ] الدالّة على المنع عن القول بغير علم « 10 » .

--> ( 1 ) . الطلاق ( 65 ) : 7 . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 42 . ( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 115 . ( 4 ) . راجع : العدّة في أصول الفقه 2 : 742 ، وتهذيب الوصول : 55 ، ومعارج الأصول : 204 . ( 5 ) . معارج الأصول : 205 و 206 . ( 6 و 7 ) . تقدّم في ص 102 - 103 . ( 8 ) . الكافي 1 : 66 ، باب اختلاف الحديث ، ح 7 . ( 9 ) . المصدر ، ح 10 ، وتهذيب الأحكام 5 : 466 ، ح 1631 . ( 10 ) . الكافي 1 : 42 ، باب النهي عن القول بغير علم ، ح 1 و 2 .